حسين غيب غلامي

114

محو السنة أو تدوينها

الراشدين ، وإنما هم دونهم درجات ، فهم لا يبلغون مبلغهم في الصلاح والفضل ، ولا في التقوى والورع ، وكانوا يعترفون بأنهم وعمالهم ليسوا أحسن أهل زمانهم ، وإنما في رعيتهم من يتقدمهم ويتفوق عليهم ، ولكنهم كانوا يزعمون أنهم أفضل ممن سيأتي بعدهم ، وأنهم يجتهدون رأيهم ، ويبذلون ما في وسعهم . وكانوا يسلمون أيضا بأنهم مهما يصنعوا ، فإنهم عاجزون عن أن يسيروا في أهل زمانهم بسيرة أبي بكر وعمر ، وأبدوا ذلك ولم يكتموه ، وكان معاوية بن أبي سفيان أقوالهم في الإعلان له ، وأوضحهم في الإعراب عنه ، وقد ذكره في غير قليل من خطبه ، قال المدائني ( 1 ) : " قدم معاوية المدينة ، فخطبهم فقال : إني رمت سيرة أبي بكر وعمر فلم أطقها ، فسلكت طريقة لكم فيها حظ ونفع ، على بعض الأثرة . فارضوا بما أتاكم مني ، وإن قل ، فإن الخير إذا تتابع عنى ، وإن قل أغنى ، وإن السخط يكدر المعيشة ، ولست بباسط يدي إلا إلى من بسط يده ، فأما القول الذي يستشفي به ذو غمر ( 2 ) ، فهو دبر أذني ، وتحت قدمي ، حتى يروم العوجاء " . وقال معاوية لأهل المدينة ( 3 ) : " إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق ، يعيبون الشئ وهم فيه كل امرئ منهم شيعة نفسه ، فاقبلونا بما فينا ، فإن ما وراءنا شر لكم ، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان مضى ، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت ، ولو قد أتى ، فالرتق خير من الفتق ، وفي كل بلاغ ، ولا مقام على الرزية " .

--> ( 1 ) أنساب الأشراف : 4 / 1 / 38 ، والعقد الفريد : 4 / 82 ، والبداية والنهاية : 8 / 132 . رواية الشاميين ص 21 . ( 2 ) الغمر : الحقد . ( 3 ) العقد الفريد : 4 / 82 ، وانظر أنساب الأشراف : 4 / 1 / 24 ، وجمهرة خطب العرب : 2 / 183 .